أفاق المنصرون بعد عقود طويلة من البحث عن أتباع في مناطق المعاناة والفقر والمرض في إفريقيا وأنحاء من آسيا مستغلين ضعف الناس ومآسيهم ـ على تصدع قلاعهم وشتات أتباعهم في معاقلهم الرئيسية في القارة الأوروبية. الأتباع الجدد الذين طالما فرح بهم المنصرون في آسيا وإفريقيا دخل الكثيرون منهم في الإسلام أو عادوا إليه بعد زوال الفاقة الشديدة التي ابتزها المنصر، ومن بقي على نصرانيته مزج فيها الطقوس الوثنية البدائية وشكل طقوساً جديدة. أما المعاقل الرئيسية في أوروبا فقد غزاها الإسلام عقيدة وفكراً، وانتشر بين أرجائها أتباعه مهاجرين وأصليين، بل لقد وصل نفوذ الإسلام إلى أن يدعو أسقف كانتربري إلى تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في بريطانيا من أجل تماسك المجتمع. كما مني المنصرون في أوروبا في العقد الأخير بانحسار المسيحية وإغلاق الكنائس وفقدان عام للثقة في "رجال الدين" المسيحيين بعد سلسلة الفضائح الأخلاقية التي هزت الكنائس والكاثوليكية منها بشكل خاص، وقد أدى تراجع أعداد مرتادي الكنائس إلى إغلاق العديد منها في بريطانيا والنرويج والسويد وألمانيا وفرنسا وإيطاليا. · مواجهة المد الإسلامي في أوروبا أعلنت منظمة ( بعثة أوروبا العظمى) التنصيرية أن 2009 سيكون عام ( بؤرة التركيز) على المسلمين في القارة الأوروبية. واعتبرت المنظمة أن الانتشار السريع والمتزايد للإسلام في أوروبا وما يعتقده علماء السكان من أن هذه الزيادة ستزداد في العقود المقبلة ـ شكل الحافز الرئيسي لها لإقامة ما أسمته "جسراً" مع المسلمين في أوروبا. * من أين يبدأ الاختراق؟ أفاد موقع المنظمة على الشبكة العالمية ( جريتر يورب ميشن) نقلاً عن رئيسها "هنري دينين" أن التقدم التنصيري نحو العالم الإسلامي يمكن أن يبدأ مع المسلمين غير العرب وبالأخص من تركيا، كما تشكل تلك الأخيرة نقطة بداية مهمة إلى القارة الأوروبية. وقال رئيس المنظمة أنهم قاموا بإنشاء فرق "اختراق" في مدينتين هما: كولون الألمانية، و"صوفيا" البلغارية فيما وصفه بجسر يمتد من ألمانيا إلى بلغاريا نزولاً إلى تركيا. وأضاف "دينين" إنهم سيركزون اهتمامهم على الصلاة والعلاقات مع الناس ليس للتأثير فقط على السكان الأصليين وإنما أيضا على المسلمين. * خطة بعيدة المدى ولم يقتصر رئيس منظمة ( بعثة أوروبا العظمى) والمعروفة اختصاراً بــ (GEM) في أحلامه على تنصير المسلمين في أوروبا وإنما تعداها إلى أمنية أن يؤثر من تنصروا على آخرين في بلدانهم الأصلية والذين يزعم أنهم "يعيشون اضطرابات روحية ويبحثون عن أجوبة". والعجيب أن ظنه هذا عن المسلمين هو اليقين الذي يعيشه المسيحيون في أوروبا من خواء روحي وفقدان للثقة وحيرة عقدية دفعت الكثيرين منهم إلى البحث عن عقيدة جديدة تجيب عن تساؤلاتهم، وإيمان يملأ فراغهم الروحي. كما زعم "دينين" أن المسلمين في أوروبا لديهم المزيد من الحرية لاكتشاف المسيح مما كان عليه الحال في بلدانهم الأصلية. وقال إن ثمة تحديات لتحقيق هذه الأهداف وأن الأمر سيستغرق وقتاً.
 ودعت المنظمة إلى الصلاة من أجل أن تحدث اختراقات في صوفيا وكولون وأن تنتشر حركة بناء الكنائس في كل أنحاء أوروبا وتركيا وشمال إفريقيا وأن تثمر الجهود مع المسلمين.
· وثيقة الفاتيكان وحلم تنصير المسلمين ولا تعد هذه الحركة التنصيرية التي أعلنتها ( بعثة أوروبا العظمى) الإنجيلية هي الأولى من نوعها صراحة واستفزازاً، ففي أواخر عام 2007 أصدر الفاتيكان وثيقة تؤكد ما أسمته "حق الكنيسة الكاثوليكية في نشر رسالتها التبشيرية بين غير المسيحيين"، وقد أثارت تلك الوثيقة جدلاً واسعاً حيث دعا بابا الفاتيكان بيندكت السادس عشر إلى بذل الجهد في سبيل "التبشير" حتى الموت قائلاً: "المسيحية دائماً متداخلة مع تنصير غير المسيحيين حتى لو كان الثمن هو الشهادة". ولم يفت البابا حينها أن يدعو المسيحيين من مختلف الطوائف أن يصبحوا كاثوليك.  وكان بيندكت السادس عشر قد حذر الأوروبيين من انحسار الهوية المسيحية لأوروبا في ظل انخفاض معدل المواليد، وزيادة عدد المهاجرين المسلمين، كما حذر السكرتير الخاص للبابا مما أسماه بـ"أوروبا المتأسلمة"، ودعا إلى حماية أصول أوروبا المسيحية.
هذا عن الفاتيكان أما عن المنظمات الإنجيلية فإن الأمين العام للتحالف الإنجيلي "جودون شويل روجرز" كان قد دعا إلى تنصير المسلمين في أوروبا معتبراً هجرة المسلمين إليها فرصة تنصيرية. · منظمة ( بعثة أوروبا العظمى) أنشئت بعثة أوروبا العظمى Greater Europe Mission على يد " بوب إيفانز" عام 1952 مع مجموعة من أمريكا الشمالية وبدأت نشاطها في العاصمة الفرنسية باريس، وهي تتبنى المذهب الإنجيلي ويعد نشر هذا المذهب في أوروبا ذات الكثافة الكاثوليكية من أهم أهدافها. وقد بدأت أنظار الفاتيكان وبعثات التنصير تتجه نحو أوروبا بعد أن انتقل الثقل المسيحي منها إلى الجنوب. رسمياً يوجد 531 مليون مسيحي في أوروبا بما يجعلهم الأكثر عدداً على مستوى العالم، ولكن 10% فقط من هذا العدد يحرصون على الذهاب إلى الكنيسة، ويتوقع العلماء أن تنخفض أعداد المسيحيين في أوروبا بمقدار 18 مليون نسمة بحلول عام 2025. والأمر الذي لا شك فيه هو أن الرموز المسيحية والمنصرين والمفكرين المتشددين باتوا ينظرون بقلق شديد تجاه تغير هوية أوروبا بسبب ضعف تأثير الكنيسة من جهة وسرعة انتشار الإسلام من جهة أخرى، وهو ما عبر عنه "مارك ستاين" في عموده بصحيفة وول ستريت جورنال قائلاً:" أوروبا ستصبح قريباً آرابيا".
 |